أحمد بن علي القلقشندي

247

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الصّبح من غير شكّ ولا ريب ، فأخبر بحوادث تقع في العالم قبل وجودها ، وآتي من حقائق النّذارة والبشارة بما ينبّه على التحذير من نحوسها والتّرقّب لموافاة سعودها . فقال « علم أحكام النّجوم » : حقيق ما أوّلت ، وصحيح ما عنه عبّرت وعليه عوّلت ؛ إلا أنك قاصر على وقائع مخصوصة ترشد إليها ، وأمور محدودة تنبّه عليها ؛ على أنه ربّما نشأت الرؤيا عن فكرة وقعت في اليقظة فاتّصلت بالمنام ، أو حدثت عن سوء مزاج أو رداءة مطعم ونحو ذلك فكانت أضغاث أحلام ؛ أما أنا فإني أدلّ بما أجراه اللَّه تعالى من العادة ، على الحوادث العامّة مصاحبا لمقتضيات الإرادة ، ليظهر ما في الحكمة الإلهيّة من قضايا التّدبير ، ويتبيّن ما اشتملت عليه الأفلاك العلويّة من تقدير التّرتيب وترتيب التّقدير ، مع ما يترتّب على ذلك من الأعمال العجيبة ، والأحوال الغريبة ، التي تبهر العقول ، ويمتنع إليها من غير طريقي الوصول : من « علم السّحر » على الإطلاق ، و « علم الطَّلَّسمات » ( 1 ) الغريبة و « علم الأوفاق » ، وكذلك « علم النيرنجيات » و « علم السّيمياء » الأخذ بالأحداق . فقال « علم الهيئة » : مالك ولأباطيل تنمّقها ، وأكاذيب تزخرفها وتزبرقها ( 2 ) وأماثيل يعتمدها المعتمد فتخيب ، وأقاويل تارة تخطئ وتارة تصيب ؛ ولقد وردت الشريعة المطهّرة بالنّهي عن اعتبارك ، وجاءت السّنّة الغرّاء بمحو أخبارك وإعفاء آثارك ؛ وناهيك بفساد هذا الاعتقاد وردّ هذا

--> ( 1 ) علوم السحر والطلَّسمات هي علوم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثير في عالم العناصر : إما بغير معين ، أو بمعين من الأمور السماويّة ؛ والأول هو السحر ، والثاني هو الطلَّسمات . أما علم الأوفاق والسيمياء فهما من نوع علم أسرار الحروف وما يوافقها من الأعداد وارتباط ذلك بأسماء اللَّه الحسنى وبأرواح الأملاك ؛ وعلم النيرنجات من ذلك القبيل . وفي المعجم الوسيط : « النيرنجات » ؛ وفي لسان العرب : « النيرجات » . ( انظر مقدمة ابن خلدون : 923 - 950 ؛ والمعجم الوسيط : مادة نيرج واللسان مادة نرج ) . ( 2 ) زبرق الثوب : صبغه بحمرة أو صفرة .